متى تنجز المقاومة الربيع العراقي؟

من ثوابتنا:

منحازون للشعب ضد الأنظمة الديكتاتورية

ومنحازون للدولة ضد التدخلات الأجنبية

حقوق الإنسان من منظور مكاييل الأجنبي وموازينه:  

تسع سنين مرَّت على بدء العدوان الأميركي على العراق، هرب جنود الاحتلال ولكن ما زال العدوان مستمراً بأشكال وألوان مختلفة. هرب جنود الاحتلال ولكن أذنابه ما زالوا يعيثون في أرض العراق فساداً، وإفساداً؛ وما يزال السكوت عن جرائمهم الأكثر فظاعة في التاريخ يلف الضمير الإنساني من الشرق ومن الغرب. ذلك الإعلام يلاحق كل شاردة وواردة من الجرائم التي ترتكبها الأنظمة التي لا تدين بالولاء الكامل لأصحابه. تلك الجرائم التي لا تُقاس حجماً ولا شكلاً ولا فظاعة عما يجري في العراق.

تعمل الماكينة الإعلامية الأجنبية، دولية وإقليمية، على كشف جرائم الأنظمة التي لا تسير في ركابها، بينما يُعتِّم على جرائم الاحتلال الأميركي في العراق، وكذلك على جرائم الفلول من عملائه، ويسكت عنها. ولتبييضها، ألزم عملاءه من الأنظمة العربية الرسمية حضور ما تُسميه زوراً (القمة العربية). وبينما يسكت عن جرائم تلك الأنظمة، ويخفي سجلاتها الحافلة بالجريمة المنظمة ضد حقوق الإنسان فيها، بحيث لا يشير، ولو بالبنان إلى الديكتاتورية الدموية التي ترتكبها حكومة المالكي بحق الشعب العراقي.

في غضون ذلك، وفي الوقت الذي مات فيه ضمير القوى الأجنبية عن الكشف عن جرائم أتباعهم من الأنظمة، كما لم تخطر ببال ضمير أي منهم أن يبادر لطلب حماية المدنيين العراقيين، نرى دموعهم في المقابل تنهمر سخية على المدنيين في الأقطار التي لم تضع أنظمتها كل (بيضها) في سلالهم، ويدعون لحمايتهم كما حموا المدنيين في ليبيا؟؟!! ويعملون على حماية المدنيين في سورية، ويكشفون عن كل قشَّة في عيون الأنظمة التي لم تذعن لإملاءاتهم بالكامل، في الوقت الذي يتجاهلون فيه الجسور في عيون الأنظمة التي استرخت مذعنة لإوامرهم، وأفسحت الطريق أمامهم لنهب ثروات بلادهم، واستباحة كرامة قرارهم الوطني.

إعلام الشرق والغرب يلاحق طيف كل فساد، في كل شبر من الأرض العربية، وفي زوايا كل نظام من أنظمتها، وفي صفوف شبيحة كل نظام وبلاطجته، وتناسوا أن عملاء أميركا في العراق وشبيحتهم وبلاطجتهم، يرتكبون أكثر أنواع الفساد قذارة. والحاكمون في العراق هم أكثر حكومات الأرض ديكتاتورية، وقمعاً دموياً، وتهجيراً أسطورياً يماثل اجتثاث شعب من أرضه، ويحاكي اقتلاع الطفل عن ثدي أمه ولو كان على طريق قتله، أو قتله وقتلها معاً.

إعلام الشرق والغرب، وفي المقدمة منهم الأطلسيون، وفي المقدمة من الأطلسيين تأتي أميركا، يعلنون قرارات حماية المدنيين في كل شبر من أرض هذا الوطن العربي، بينما شعب العراق، بمدنييه، نساء وأطفالاً وشيباً وشباناً، ينالهم من حكومة المالكي كل يوم، بل كل لحظة، ما لم ينله أي شعب من شعوب الأرض من التنكيل والأذى.

تسع سنين عجاف على العراق، بل تسع سنين من موت المدنيين من القهر والقمع والتهجير ومن الجوع والمرض والاقتتال الطائفي، مات فيها ضمير أميركا، كما مات ضمير الأطلسي. مات ضمير إيران، كما مات ضمير تركيا. ماتت ضمائرهم وسكتوا عما يجري لشعب العراق، وكرامة العراق، وأرض العراق، وعن حكايات مئات الألوف من اللصوص، ومن عشرات الآلاف من أمثال (علي بابا) الذين يحرسون مغارات (الحرامية).

تسع سنين من الاحتلال، وعيون الأنظمة العربية الرسمية غافلة، أو مغفَّلة، عما يُرتكب في العراق من شرور وجرائم. تلك الأنظمة كانت ألسنة حكامها يتآكلها الصدأ فلم يجرؤ أي منها على الإشارة إلى حقوق العراقيين، فكان ضميرهم نائماً خاشعاً في محراب اليسر والغنى، وكان ملوكها وأمراؤها ورؤوساؤها يتلذَّذون بصمت الشعب عن حقوقه خوفاً من بطش أجهزة قمعهم ورهبة سجونهم وكثرة القطعان البوليسية التي تحمي كراسيهم وعروشهم.

ولم تستفق ضمائر معظمهم إلاَّ عندما استنهضت الجماهير العربية ونزلت إلى الشارع كاسرة حواجز الخوف من الأنظمة وحراسها. ولما التقتطت أجهزة أسياد تلك الأنظمة فرصة ثورة الجماهير وركبت موجتها، لتحصد الحمص من موالد الثورات، تأهَّبت تلك الأنظمة بأوامر من الأسياد لتظهر أمام تلك الجماهير بأنها حريصة على حقوقها، حامية لأمنها من بطش الديكتاتوريات. وكأن تلك الأنظمة منزَّهة عن جرائم قمع الحريات، وتجويع الشعوب.

ولم نكن من المعارضين لمثل ذلك الدور، لولا أننا نسخر من القول الشائع الذي حفظناه عن ظهر قلب، (العاهرة لا يجوز لها أن تحاضر بالعفة). ولذلك عندما تحاضر العاهرة بالعفة يصبح من الغفلة بمكان أن لا نتساءل عن نواياها وعن دور مشبوه ستؤديه لمصلحة العاهرين والعاهرات.

وإذا كانت تلك الأنظمة الموبوءة بالفساد حريصة على مصلحة الجماهير، وعلى أمنها وكرامتها، فعليها أن لا تمارس ازدواجية المعايير والمكاييل. وهنا لا بُدَّ من التساؤل: هل اتفقوا على عقد (قِمَّتهم) في العراق من أجل مصلحة جماهير العراق؟

نحن لا نعتقد أنهم أصبحوا من أصحاب الضمير لأنهم لم يسكتوا عن جريمة الاحتلال فحسب، بل تواطأوا مع الاحتلال أيضاً. ولم يسكتوا عن الجريمة الكبرى التي ارتكبها الاحتلال وعملاؤه بحق العراق والعراقيين فحسب، بل أسهموا بتلك الجريمة أيما إسهام أيضاً.

إذن لماذا اختاروا العراق لعقد (قِمَّتهم)؟ وهم إنما قرروا ذلك، وهم ليسوا إلاَّ كـ(المومسات) اللاتي  أتين لإضفاء شرعية على حكومة المالكي، التي هي المومسة الأولى للاحتلال الأميركي الذي هرب من العراق ليبقي المالكي وأشياعه وأتباعه يحكمون الشرفاء وأصحاب الحقوق المهدورة.

ولكن العجيب والمريب أن تصحو تلك الضمائر فجأة في أصقاع الوطن العربي. وأن تصحو ضمائر الأطلسيين. وكل من صحا ضميره من كل هؤلاء راح ينتقي في دفاعه عن هذا الشعب أم ذاك، أو شتم هذا النظام أم ذاك، بحيث راح كل منهم يغني على ليلاه. كل منهم يشتم (ليلى النظام) التي لم تُسلس له اغتصابها، ويسكت عن (ليلى النظام) التي أسلست له القياد ولزمت (بيت الطاعة) مذعنة لشبق مصالحه.

القضية العراقية وطنية وإصلاحية في آن معاً:

تسع سنين مرَّت على احتلال العراق، وتمَّ تتويجها بهروب أميركي مشين. ترك الجنود الأميركيون أرض العراق، وما تزال عيون إدارة أوباما عليه. وهي تجهد النفس لإعادة احتلاله بطرق أخرى؛ ربما التفافاً غير مباشر. ويرجِّح أكثر المراقبين أن يكون الالتفاف عن طريق ما يسمونه (الربيع العربي).

ومن أهم الدلائل على أن استراتيجة الالتفاف حقيقية، هي النتائج التي أسفرت عنها ثورتا تونس ومصر. فالإدارات الجديدة فيهما ستشاركان في القمة العربية في بغداد، لإضفاء الشرعية على حكومة الاحتلال التي يترأسها المالكي. وإن التحركات الخارجية لإدارتيْ البلدين الجديدة لا توحي بأي تغييرات تجاه القضية العراقية، لا بل يصح القول فيها: (أسقطت الثورة حسني مبارك ولكنها لم تُسقط منهجه بالحكم).

ومن جهة إدارة ليبيا الجديدة التي فرضتها صواريخ الأطلسي، فلم يجف دماء شهدائها الحقيقيين بعد، حتى كان موفد تلك الإدارة قد حلَّ في ضيافة العميل المالكي. وانتقلت ليبيا الدولة من تحت سقف ديكتاتورية القذافي، إلى تحت عباءة الأطلسي. كما تحولت ليبيا الثورة إلى رأس حربة في الثورة المضادة، وانضمَّ ثوارها إلى جوقة الأنظمة الرسمية، خليجية وغيرها، لـ(تحرير) ما تبقى من أنظمة أخرى من مقومات الدولة ولعلَّ أخطرها محاولة تفتيت نسيجها الاجتماعي والوطني.

لا ثورة حقيقية تهمل الترابط بين الأمن القطري والأمن القومي:

إن المقاومة العراقية التي انتصرت على أعتى جيوش العالم، وفي ظل تواطؤ نظاميْ حسني مبارك، وبن علي أيضاً، لن يعوق نضالها النسختين الجديدتين اللتين جاءتا عبر صناديق الاقتراع؛ ولا يجوز أن يتجاهلنَّ أحد أن صناديق الاقتراع أصبحت ورقة التوت التي تغطي عورات الإدارات الجديدة في كل من تونس ومصر. ولكن ما يحز في النفس أن الثورتين، وإن حققتا إصلاحات داخلية جزئية لصالح الجماهير الشعبية وللحركات السياسية والحزبية، ولم تتجاوز تلك الإصلاحات حرية التعبير والتظاهر وتأسيس الأحزاب السياسية، إلاَّ أنهما لم تقدِّما أي شيء جديد لمصلحة الأمن القومي العربي، ذلك الأمن الذي لن يكتمل، في هذه المرحلة، إلاَّ بحماية المقاومة العراقية لتنجز أهدافها كاملة، وحماية كل مقاومة عربية أينما كانت.

جميل أن تندلع الثورات في وجه الأنظمة ولكن جمالها لن يكتمل إلاَّ بحماية المقاومة العربية. فالمقاومة الشعبية هي استراتيجة الحاضر والمستقبل لحماية الأمن القومي العربي ضد كل أطماع الخارج، وعلى صهوة خيولها وأسِنَّة رماحها وحدها يستعيد العرب حقوقهم بالقرار السيادي والمستقل.

وإذا كان هناك (ربيع عربي) فعلي، فهو لن يكون ربيعاً إذا لم يدعم المقاومة العراقية حتى استكمال تحرير العراق. وما لم يتحرر العراق لا نرى في أفق (الربيع العربي) ما يُبشِّر بالخير الوفير. فمن العراق توهَّم الأميركيون أنهم يكملون حلقات دائرة هيمنتهم على البترول العالمي، فيحكمون العالم. ولكن حلمهم بربيع أميركي انتحر على أسنَّة حراب المقاومة الوطنية العراقية.

دخل الأميركيون من بوابة بغداد، وخرجوا من شبابيكها تحت جنح الظلام، وراحوا يعملون على تجديد احتلالهم من خارجها، بشتى الأشكال والألوان، لعلَّهم بذلك يُحكمون الحصار على المقاومة، ويحكمون إقفال البوابات في وجهها على قلَّتها، وهو عبارة عن حصار جغرافي جديد تشرف على إقفاله إيران من الشرق، وتركيا من الشمال، والكويت والسعودية والأردن من الجنوب، ولم يبق إلاَّ البوابة الغربية في سورية، التي على ضعف إسنادها للمقاومة، تبذل القوى الخارجية كل جهدها من أجل إقفالها بإحكام.

كنا نراهن على تطوير تلك البوابة وتفعيل دورها لو أن في أفق الحراك الشعبي السوري ما يُبشِّر بذلك، ولكن على المقاومة العراقية أن تنتظر الأسوأ، والأسوأ هو أنه لن يستلم إدارة سورية إلاَّ من التزم أمام الأطلسيين بأنه سيقطع علاقاته بالمقاومة الشعبية العربية.

وهنا أيجوز أن تكون تصريحات برهان غليون، رئيس ما يُسمى بالمجلس الوطني، المُعدّ ليكون وريثاً للنظام الحالي، فلتة لسان، أم رسالة إذعان متأخرة لإملاءات كولن باول في أيار من العام 2003؛  وتطميناً لأميركا بأنه سيطبِّق مضامين القرار 1546 الخاص بالعراق، والقرار 1559 الخاص بلبنان؟

في مواجهة فلول الاحتلال تبقى المقاومة العراقية بالمرصاد:

من بين أهداف أميركا الثلاث:

-تطويق المقاومة العراقية وتجفيف كل وسائل لوجستياتها، مستغلة حراك ما تسميه بـ(الربيع العربي) تارة.

-وإضفاء شرعية عربية رسمية مزيَّفة على حكومة الاحتلال، موظِّفة غطاء ما تزعم أنها (قمة عربية) تارة أخرى.

-وقطع دابر (البعبع) الإيراني، الذي لولاه لما استطاعت أميركا أن تحتل العراق تارة ثالثة.

إن مواجهة الهدف الأول لهو من أهم أهداف الحراك الشعبي العربي الذي يجب أن يربط بين الأمن السياسي والاجتماعي الوطني وضمان الإصلاح الداخلي، والأمن القومي العربي الذي يتمثَّل الآن بحماية المقاومة العربية. فلا ضمان للأمن الأول من دون توفير شروط حماية الثاني.

أما مواجهة الهدف الثاني فتتم على مسلكين: الأول كشف تواطؤ أنظمة العرب الأميركية. والثاني منوط بالشعب العراقي الذي آن له أن ينتفض بالشكل والنوع الذي يحسم فيه المعركة الأخيرة ضد إدارة المالكي.

وأما مواجهة الهدف الثالث، وإذا كانت الإدارة الأميركية غير جادة بإخراج إيران من العراق فلأن أميركا، بوجود إيران، تضمن بقاء نظام الفيدراليات كمرحلة لتقسيمه إلى دويلات طائفية – عرقية تفصل ما بينها (حدود الدم). والخلاف بينهما ليس على الخروج أو البقاء، وإنما خلافهما هو على مقدار حصة كل منهما، خاصة أن أميركا أشركت إيران باحتلال العراق على قاعدة أن تتولى أميركا القرار السياسي والأمني والعسكري، بامتيازات طائفية واقتصادية لإيران.

ولهذا فإن مواجهة فلول الاحتلال: حكومة المالكي، والوجود الإيراني، هي ما تبقى من مهمات تتولى شؤونها المقاومة الوطنية العراقية، التي هي الجزء من المهمات المطلوبة، وهي التي نصَّ عليها (المنهج السياسي الاستراتيجي) الذي أعلنته المقاومة في التاسع من أيلول من العام 2003. وقد جاء فيه: (تأزيم الإقليم ومفرداته ومنع تحقيق مصالح الآخريين المجاورين على حساب العراق ووحدته الوطنية، وتعظيم تكلفة مساندتهم للعدوان وتعاملهم مع إفرازاته الداخلية في العراق المستهدفة تفتيت الوحدة الوطنية العراقية على حساب مصالح عرقية ومذهبية وجهوية وفئوية مرتهنة للاحتلال ومرتبطة بوجوده).

لقد انطلقت المقاومة العراقية من دون إذن أحد أو مساعدته. وأثبتت مصداقيتها وقاتلت وصمدت من دون مِنَّة من أحد. وهزمت أقوى جيوش العالم وألحقت به عار الهزيمة من دون مساعدة أحد. ولم يبق أمامها إلاَّ فلول الاحتلال: حكومة المالكي، وإيران.

وإننا، على الرغم من أن المقاومة العراقية ما تزال تحافظ على زخمها، وإن أخبار ما يُسمى بـ(الربيع العربي) قد احتلت كل زوايا الإعلام بأدق تفاصيل ذلك الربيع، فإننا نلفت النظر إلى أن المقاومة العراقية هي من أكثر ما يتم التعتيم عليها في هذه المرحلة. ولهذا الأمر أسباب منظورة، وأسباب غير منظورة.

واستشرافاً لآفاق المرحلة القادمة في العراق، وعلى الرغم من كل التعتيم والتجاهل لأداء المقاومة العراقية، يمكننا القول إن من مخر المحيطات لن تعوقه السواقي. ومن هزم الاحتلال الأكبر فلن تعيقه الفلول الصغرى.